الشيخ محمد الصادقي الطهراني
246
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
هذا ! وقد يروى عن رسول الهدى صلى الله عليه وآله : « لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلّا سواء بسواء عيناً بعين يداً بيد ، ولكن بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر والتمر بالملح والملح بالتمر يداً بيد كيف شئتم ، من زاد أو ازداد فقد اربى » . « 1 » فأصل الربا التي تفسد المال والمآل هي الزيادة الباطلة ، ودون مقابل من سعي واستحقاق ، فهل إن الآخذ منّاً وزيادة من حليب بديلًا عن مَنٍّ مِن سمنه ، هو الذي أخذ زيادة باطلة أم زميلُه ؟ . فإنما الأصل في شريطة المماثلة جنساً أو كيلًا ووزناً ، هو الحصول على المساواة بين العوضين في سعرهما ، وذلك ميسور في هذه الحدود ، ومعسور في غيرها كالمتخالفين من غير المكيل والموزون ، فلا بأس بالزيادة كحق للمستزيد في غيرهما ، اللّهم إلّا إذا كان تبادل التجاهل والغرر كما في صحيح ابن مسكان : سئل الصادق عليه السلام عن الرجل يقول : عاوضني بفرسي وفرسك وأزيدك ؟ قال : « فلا يصلح ولكن يقول أعطني فرسك بكذا وكذا وأعطيك فرسي بكذا وكذا » . « 2 » ونحن نلمس من طيات روايات الربا ، المعللة منها ، أن الأصل في محظورها هو نفسها ، أن تزيد أو تستزيد بباطل ودونما مقابل تستحقه . فقد ينهى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عن بيع صاعين من تمر رديء بصاع من الجيد ، لا لأنهما مكيلان موزونان ومثلان في الجنس ، بل لجهالة السعر بينهما فيأمر أن يباع كلّ بسعره العادل ويشترى الآخر بسعره « 3 » لا أن يبادل بينهما وزناً بوزن فإنه قطعاً ربا . وحين يمنع عن بيع المتماثلين سعراً ، نسيئة ، ليس المنع إلّا لأن للزمن ثمن ، فتنقص السلعة المسلفة عن الحاضرة فهو من الربا .
--> ( 1 ) . الدر المنثور 1 : 368 - أخرج الشافعي ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : . . . وفيه عنه صلى الله عليه وآله الذهب بالورق ربا إلّا هاءً وهاءً ، والبر بالبر رباً إلّا هاءً وهاءً والشعير بالشعير ربا إلّا هاءً وهاء والتمر بالتمر ربا إلّا هاءً وهاءً ( 2 ) . التهذيب 2 : 151 والاستبصار 3 : 101 ( 3 ) . الدر المنثور 1 : 365 - أخرج مسلم والبيهقي عن أبي سعيد قال : أتي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بتمر فقال : ما هذا من تمرنا ! فقال الرجل يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ذلك الربا ، ردوه ثم بيعوا تمرنا ثم اشتروا لنا من هذا